سيد محمد طنطاوي

165

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الريح تجرى بأمر سليمان ، فهي تارة تكون لينة وتارة تكون عاصفة ، وفي كلتا الحالتين هي تسير بأمره ورغبته . وقوله : * ( والشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وغَوَّاصٍ ) * معطوف على الريح أي : سخرنا له الريح تجرى بأمره . . وسخرنا له الشياطين . بأن جعلناهم منقادين لطاعته ، فمنهم من يقوم ببناء المباني العظيمة التي يطلبها سليمان منهم . ومنهم الغواصون الذين يغوصون في البحار ليستخرجوا له منها اللؤلؤ والمرجان ، وغير ذلك من الكنوز التي اشتملت عليها البحار . وقوله - سبحانه - : * ( وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفادِ ) * معطوف على كل بناء ، داخل معه في حكم البدل من الشياطين . أي : أن الشياطين المسخرين لسليمان كان منهم البناؤن ، وكان منهم الغواصون ، وكان منهم المقيدون بالسلاسل والأغلال ، لتمردهم وكثرة شرورهم . فمعنى « مقرنين » : مقرونا بعضهم ببعض بالأغلال والقيود . والأصفاد : جمع صفد وهو ما يوثق به الأسير من قيد وغلّ . ثم بين - سبحانه - أنه أباح لسليمان - عليه السلام - أن يتصرف في هذا الملك الواسع كما يشاء فقال : * ( هذا عَطاؤُنا ) * أي : منحنا هذا الملك العظيم لعبدنا سليمان - عليه السلام - وقلنا له : هذا عطاؤنا لك * ( فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ) * أي : فأعط من شئت منه . وأمسك عمن شئت . فأنت غير محاسب منا لا على العطاء ولا على المنع . ثم بين - سبحانه - ما أعده لسليمان - عليه السلام - في الآخرة ، فقال : * ( وإِنَّ لَه عِنْدَنا ) * أي في الآخرة * ( لَزُلْفى ) * لقربى وكرامة * ( وحُسْنَ مَآبٍ ) * أي : وحسن مرجع إلينا يوم القيامة . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أيوب - عليه السلام - فذكرت نداءه لربه ، واستجابة اللَّه - تعالى - له وما وهبه من نعم جزاء صبره ، فقال - تعالى - : [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 41 إلى 44 ] واذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّه أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ ( 41 ) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ ( 42 ) ووَهَبْنا لَه أَهْلَه ومِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وذِكْرى لأُولِي الأَلْبابِ ( 43 ) وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِه ولا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناه صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّه أَوَّابٌ ( 44 )